الحمد لله الذي كتب الفناء على أهل هذه الدار وجعل البقاء الأبدي السرمدي لأهل الجنة دار الأبرار وأصلي وأسلم على نبينا محمد إمام الحنفاء الأخيار وعلى آله وصحبه خير من تبع النبي وسار وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الامتحان والاختبار أما بعد :-
فمنذ إجازة الصيف وأنا اطلب من والدي زيارتي بالدمام ودخول منزلي الجديد ووعدني بالزيارة بعد رمضان لكي يعتدل الجو وينتهوا من صيام الست من شوال وفي عصر يوم الأربعاء الموافق 26/10/1428هـ امتطى والدي ـ رحمه الله ـ مع والدتي وابن أخي سعود بن خالد والقائد ابني ناصر صهوة السيارة شادين الرحال للدمام وكانت الأسرة بأكملها وهم زوجتي وأولادي معاذ وعبدالله وحمزة وربى ومهند تنتظر الموكب المبارك وعلى مقربة من الدمام وقع لهم حادث انقلاب توفي فيه في الحال والدي ـ رحمه الله ـ وأصيب فيه أمي ـ متعها الله بالصحة والعافية على طاعته ـ وابني ناصر وابن أخي سعود بن خالد بإصابات خفيفة خرجوا في ليلة الحادث من المستشفى ولله الحمد .
واسأل الله عز وجل لوالدي المغفرة والعتق من النار وان يجعل ما أقدم عليه خيراً له مما انتقل منه فما يختار الله للعبد خيرٌ له مما يختار لنفسه وأن يصلح له في عقبه وأن يجعل منزله في عليين وان يرفع درجته في المهديين من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وان يقيه عذاب القبر وان يجعل قبره روضة من رياض الجنة وان يوسع له فيه ... آمين .
ولي مع هذا الحادث الأليم والمصيبة الجلل بعض الوقفات :-
الوقفة الأولى :
أن الموت حق لا مفر للإنسان منه ومعرف في كتاب عند الله أين سيموت كل إنسان ولكن الإنسان لايدري أن يكون ذلك (( كل نفس ذائقة الموت )) ... الآية (( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم )) ... الآية (( وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي ارض تموت ))... الآية والواجب على الإنسان إذا وقع له شي من ذلك الصبر والاحتساب والدعاء للميت وسؤال الله الثبات .
الوقفة الثانية :
على من أصيب بأي فاجعة أن يصبر ويحتسب فإنما الصبر عن الصدمة الأولى وهي مكتوبة على الإنسان فعليه أن يؤمن بالقضاء والقدر فالرسول صلى الله عليه
وسلم يقول (( من قبضت صفية من أهل الدنيا فصبر فله الجنة )) نسأل الله ان يرزقنا الصبر وان يرزق والدي الجنة .
الوقفة الثالثة : مبشرات الخير لوالدي :
1 - إتصل بي الأخ إبراهيم التركي المبتعث للدراسات العليا بماليزيا وقال إني رأيتك ياشيخ إبراهيم ليلة وفاة والدك وفي الصباح اتصلت بوالدتي فأخبرتني بوفاة والدك وفي الليلة الثانية رأيت والدك يقول أنا لم أمت أنا حي.
2 - كما انه حضر لدينا معزياً الشيخ د/ صالح النويجم وقال في ليلة وفاة والدكم وصلتني على هاتفي الجوال رسالة مفادها وفاة شخص من أهل البلد ثم نمت وفي الليل رأيت جنازة مهيبة على بعد 2كم مني وهي بيضاء محمولة على الأعناق فقمت وفتحت الهاتف وقرأت الرسالة مرة ثانية وإذا به والدكم ـ رحمه الله ـ ففرحت فرحاً شديداً له .
وغير خافٍ أن (الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعون جزءاً من النبوة) وان (رؤيا المؤمن في آخر الزمان لاتكاد تخطئ ). بهذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 - كثرة المصلين على والدي فمع أن الصلاة عليه لم تكن بعد الجمعة كما أنها في يوم إجازة والعادة أن الناس تكون مشغولة في أمورها الخاصة وفي مناسباتها إلا أن المسجد قد امتلئ بأكمله والنساء قد تزاحمن بالمصلى وصلين بالشارع وقد حدثني غير واحد أن المسجد لم يسبق أن امتلئ في غير الجمعة في الصلاة على جنازة إلا جنازة الوالد ـ رحمه الله ـ .
4 - كثرة المعزين والمعزيات فالبيت قد امتلئ وأكتظ من الزحام وهواتفنا نحن أهله من بنين وبنات لم تتوقف من الاتصالات أو الرسائل من داخل المملكة وخارجها .
5 - كثير من كبار السن بل والشباب من رجال ونساء حضر يعزي وهو يبكي ويقول لا ندري هل تعزون أنتم أو نعزى نحن.
والدكم كان موقض البلد لقيام الليل حيث انه الوحيد في المحافظة الذي يؤذن الأذان الأول للفجر منذ عشرين سنة ولذلك إذا غاب عن البلد ولو ليلة واحدة فقد وإذا سافر يسأل عن العودة حرصاً على الأذان الأول .
الوقفة الرابعة : صورة من تربيته :
والدي ـ رحمه الله ـ كان أمياً لا يقر ولا يكتب فلا يحفظ إلا الفاتحة وبضع سور من القرآن ولكنه كان في أعماله وأخلاقه وتعاملاته وسلوكياته يعمل وفق المهج الإسلامي الصحيح.
1 - أمانته فقد كان أميناً في عمله إبان عمله حارساً للمدرسة وكذا فترة عمله في المسجد فكان حريصاً على دخول الوقت ولذا كان عنده في يده ساعة وفي غرفته ساعة وفي المسجد ساعة ويستمع للمذياع حتى يؤذن بالرياض فإذا أذن المذياع ذهب وأذن وإذا عاتبه أحد على تأخره قال أهم ما علي ديني وبراءة ذمتي وكان كثيراً من أهل البلد لا يفطرون برمضان ولا يتوقفون عن السحور إلا على أذانه ـ رحمه الله ـ .
2 - حرصه على الصلاة خصوصاً الفجر فمنذ أن كان عمري عشر سنوات وهو يوقضنا للصلاة وفي ليالي الشتاء يقوم هو قبل الأذان ويتوضأ بالماء البارد ثم يوقد النار ويضع عليها إناء به ماء فإذا سخن أيقضنا وأحداً وأحداً ثم أخذنا معه إلى المسجد بل كان يتابعنا ويتابع أولادنا وكثيراً ما يردد هذه الكلمة إذا أراد إيقاضنا لصلاة الفجر (( اشحذوا الذي عنكم غني )) إلى موته ـ رحمه الله ـ .
3 - حرصه علينا في التعليم ومواصلة الدراسة فكان يتابع دراستنا ومذاكراتنا وإذا اعتذرنا بالمذاكرة ترك شغله وإذا طلبنا منه إيقاضنا للمذاكرة في أي ساعة في ليل او نهار أيقضنا .
4 - تقديره لآرائنا نحن أولاده فلا يتخذ أي قرار إلا بمشاورتنا له ولا يستجيب لمناسبة أو وليمه إلا بعد اخذ رأينا كما انه لا يتصرف إلا بعد موافقتنا بدون تضجر بل برحابة صدر كما انه كثير المشاورة لنا ـ رحمه الله ـ .
5 - صلته لرحمه فقد كان واصلاً لرحمه ولا يفرق بين الصغير والكبير والرجل والمرأة فعند ذهابنا عند احد الأرحام يطلب منه تمكينه من السلام على أرحامه بداخل البيت ولو كانوا صغاراً وإذا مرض أحدهم زاره إن كان قريباً منه وإلا اتصل به .
6 - لطافته في التعامل فكان يمازح الأطفال والعمال والجيران ناهيك عن أولاده وأرحامه وأحفاده ولذا تأثر بوفاته جيرانه والعمال في المحلات وغيرهم من الذين كان يتعامل معهم .
7 - رحمه وشفقته بالصغار وإدخال السرور عليهم فكثيراً ما يشتري الحلوى ويوزعها عليهم ويضع بعض الدريهمات في يدهم كما انه كان يمازحم ويلعب معهم أحياناً وكنت إذا أردت السفر من ضرماء إلى الدمام ادخل يده في جيبه وأعطى ولديّ الــصغيرين ربى ومهند بعض الدريهمات وقبلهم وطلب منهم ان يقبلوه وعينيه تذرف الدمع ويقول (( اسأل الله أن لا يكون الوداع الأخير )) .
8 - عفته وزهده عما في أيدي الناس فلم تكن نفسه تشرأب لكثرة المال والثراء وانما كان قلبه معلق بالطاعات والبر والإحسان .
الوقفة الخامسة :
هذه الوقفة وقفه إكبار وإجلال وتقدير وشكر لكل من وقف معنا في مصابنا الجلل وأخص منهم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود أمير المنطقة الشرقية وصاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود نائب أمير المنطقة الشرقية وسعادة الأستاذ زارب بن سعيد القحطاني وكيل إمارة المنطقة الشرقية وسعادة العميد الدكتور علي الزامل مدير مجمع الملك فهد الطبي العسكري بالظهران وأصحاب الفضيلة المشايخ الشيخ عبدالرحمن آل رقيب رئيس محاكم المنطقة الشرقية والشيخ صالح اليوسف رئيس المحكمة العامة بالخبر والقضاة الشيخ أحمد العصيمي والشيخ عقيل الشمري والشيخ سعد المهنا .
هذا ما تيسر ذكره وفي النفس والقلب والمهجة الشيء الكثير نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر والسلوان وأن يخلفنا في وفاة والدنا خير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
كتبه
إبراهيم بن ناصر السياري
القاضي بالمحكمة العامة بمحافظة القطيف
رحم اللهُ والد الشيخ إبراهيم السياري ، وأسكنهُ فسيح جناته .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ : إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .
أخرجهُ مسلم .
قال الإمام النووي : " قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ , وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْجَوَاب لَهُ , إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة ; لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا ; فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه , وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف , وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة , وَهِيَ الْوَقْف " .ا.هـ.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
إنشاد عمر السويري ، فريق مسامع ، أحمد المنصور ، سعد الطلحة
المحتويات :

No comments:
Post a Comment